عبد الكريم الخطيب

8

التفسير القرآنى للقرآن

وإن كل حظ المسلمين اليوم من القرآن هو حظهم من مخلّفات الآباء والأجداد ، مما تضمه المتاحف ودور الآثار ، يزورونها لماما ، ويطرقونها حينا بعد حين . . قد تثير فيهم تلك الزّورة نشوة عارضة ، أو تبعث فيهم عزّة كاذبة ، ينفضونها عن نفوسهم قبل أن يجاوزوا المزارة ، كما ينفضون ما قد يكون علق على ثيابهم من التراب ، وهم يجوسون خلال الديار ! فنحن نلمّ بالقرآن إلماما ، ونلقاه حينا بعد حين ، وقد نذكر به في تلك اللقاءات ، وهذه الإلمامات ، ما نذكر من مواعظ وعظات ، ثم لا نلبث حتى ننخلع عن هذه المشاعر قبل أن نضع المصحف من أيدينا ، لنلقى الحياة ونختلط بها ، كما نحن ، على الوجه الذي كنا نصحبها به ، ونعيش معها عليه ! فما يحدّث به القرآن شئ ، وحياتنا التي نحياها ونتقلب فيها شئ آخر ، بعيد كل البعد عن القرآن ، وما يحدثنا به القرآن ! إن المسلم - منا - يعيش في هذه الحياة بشخصية « مزدوجة » ويلقاها بنفس منقسمة على نفسها ، ولهذا كان مسيره فيها مضطربا مختلجا ، تتماوج أبعاضه بين مشرق ومغرب ، وشمال وجنوب ، فهو يتحرك في مكانه ، حركة متماوجة مضطربة ، فلا يتقدم خطوة إلى الأمام ، على كثرة هذا الضرب المضطرب في الأرض ! والسبب في هذا يرجع - في تقديرنا - إلى « تميّع » العقيدة الدينية في نفس المسلم ، وإلى اختلاط كثير من مسائلها في تفكيره ، وعدم وضوح المعالم والحدود لكثير من أمور الدين عنده ! وذلك - في تقديرنا أيضا - يرجع إلى أمور كثيرة . . منها : أولا : هذه الخلافات السياسية والمذهبية التي وقعت بين المسلمين منذ أعقاب الخلافة الراشدة ، فانعكست آثار هذه الخلافات السياسية والمذهبية